المقريزي

67

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

فلمّا ثار الأمير منطاش على الناصري وخرج يريد حرب برقوق خرج معه ، فعند ما غلب الظاهر برقوق وعاد إلى مصر كان ابن فضل اللّه مع منطاش بدمشق فولّى الظاهر كتابة السّرّ للعلاء عليّ بن عيسى الكركي ، وكتب ابن فضل اللّه إلى السّلطان من دمشق مطالعة أولها : يقبّل الأرض عبد بعد خدمتكم * قد مسّه ضرر ما مثله ضرر حصر وحبس وترسيم أقام به * وفرقة الأهل والأولاد والفكر لكنّه والورى مستبشرون بكم * يرجو بكم فرجا يأتي وينتظر والشّغل يقضى لأنّ الناس قد ندموا * إذ عاينوا الجور من منطاش ينتشر جوزوا كما فرّطوا في حقّكم ورأوا * ظلما عظيما به الأكباد تنفطر واللّه إن جاءهم من مائكم أحد * قاموا لكم معه بالرّوح وانتصروا اللّه ينصركم طول المدى أبدا * يا من زمانهم في دهرنا غرر ثم إنه ما زال يتحيّل حتى خلص من دمشق وقدم القاهرة ومعه أخوه حمزة والجمال محمود القيصري ناظر الجيش والتاج عبد الرحيم بن أبي شاكر وشمس الدين محمد ابن الصّاحب فلقي السّلطان وعاد إلى داره ، فلزم الإقامة بها على عادته إلى أن سافر السّلطان إلى البلاد الشامية في سنة ثلاث وتسعين ، فأنفذ إليه يأمره بالتّوجّه مع العسكر ، فسار بغير وظيفة ، واتّفق ضعف الكركي فاستدعاه بالشام وأعاده إلى وظيفة كتابة السّرّ ، فباشرها مرّة ثالثة من شوال سنة ثلاث وتسعين إلى أن سافر السّلطان إلى بلاد الشام في سنة ست وتسعين ، فخرج في الخدمة وصار إلى دمشق فمرض بها ، ومات يوم الثلاثاء العشرين من شوال سنة ست وتسعين وسبع مائة ، ولم يبلغ الخمسين . وكان أحد عظماء الدّنيا ، وقرأ في صغره الفقه والنحو والأدب ، وبرياسة بيته يضرب المثل ، وإليهم ينتمي الأكابر وبهم كانت تتجمّل الدّول ، باشرت التّوقيع في أيامه ، وأبوه أنشأ أبي وجدّي لأمّي ورقّاهما إلى حيث صاروا .